عبد الوهاب الشعراني

110

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان رضي اللّه عنه يقول مسكين ابن آدم قد وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا وكان إذا اشتهى شيئا لا يأكله إلا مع ضيف ويقول بلغنا أن طعام الضيف لا حساب عليه قالوا وكانت سفرة المبارك تحمل على عجلة أو عجلتين وقال أبو إسحاق الطالقاني رأيت بعيرين مملوءين دجاجا مشويا لسفرة ابن المبارك . وكان رضي اللّه عنه يطعم أصحابه الفالوذج والخبيص ويظل هو نهاره صائما وما دخل رضي اللّه عنه الحمام قط وقيل له مرة قد قل المال فقلل من صلة الناس فقال إن كان المال قد قل فإن العمر قد نفذ وكان رضي اللّه عنه يقول أربع كلمات انتخبن من أربعة آلاف حديث لا تثقن بامرأة ولا تغترن بمال ولا تحمل معدتك مما لا تطيق وتعلم من العلم ما ينفعك فقط . وكان إذا بلغه عن أصحابه أنهم أضافوا إليه مسألة يرسل إليهم بكشطها بالسكين ويقول من أنا حتى يكتب قولي وكان يقول كن محبا للخمول كارها للشهرة ولا تحب من نفسك أنك تحب الخمول فترفع نفسك وكان يقول دعواك الزهد من نفسك يخرجك عن الزهد . وكان يقول سلطان الزهد أعظم من سلطان الرعية ، لأن سلطان الرعية لا يجمع الناس إلا بالعصا والزهد ينفر من الناس فيتبعوه ، ولما قدم هارون الرشيد الرقة ورد عبد اللّه بن المبارك فانجفل الناس إليه وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج قصر الخشب فلما رأت الناس وكثرتهم قالت ما هذا ؟ قالوا عالم خراسان ، فقالت واللّه هذا هو الملك لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس إليه بالسوط والعصا والشرط والأعوان . وكان إذا قرأ شيئا من كتب الوعظ كأنه بقرة منحورة من البكاء لا يجترئ أحد يدنو منه ولا يسأله عن شيء وقيل له إن جماعة من أهل العلم يأخذون من الناس الزكوات فقال فما نصنع إن منعناهم وقفوا عن طلب العلم وإن رخصنا لهم حصلوا العلم وتحصيل العلم أفضل وكان يقول لأن أرد درهما من شبهة أحب إلى من أن أتصدق بستمائة ألف ألف وقيل له ما التواضع قال التكبر على الأغنياء .